محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
677
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وحياة الملك على تفاضل وترتّب ، والتفاوت بين مرتبة ومرتبة كالتفاوت بين حياة النبات وحياة الحيوان ، ولكلّ حياة موت ينافيها ، وفي الموت تفاوت على حسب تفاوت الحياة ، فأمّا حياة الحيوان فبالحسّ والحركة مع قوّة النموّ والنشر ، وحياة الإنسان فبالعقل والتمييز مع الحسّ والحركة والنموّ ، وحياة الملك فبالملكة وشدّة القوّة على الإدراك والفعل ، ولكلّ حياة موت على ضدّ ذلك ، وهذا كلّه في جانب الخلق ، وأمّا في جانب الأمر فقد تكون حياة بالدين والشريعة ، وتكون حياة بالعلم والمعرفة ، وتكون حياة بالروحانية والقدس ، وتكون حياة بالأمر والكلمة ، ولكلّ حياة موت على ضدّ ذلك . وفي الخبر : « القرآن حيّ يجري كما يجري الليل والنهار » وعلى كلّ حياة وموت نصّ في الكتاب والسنّة يطول الكلام بإيراده ؛ فالمقتول في سبيل اللّه الشهيد في طاعة اللّه ليس بميّت موت الدين والشريعة ، وموت العلم والحكمة ، وموت الروحانية والطهارة ، وموت الأمر والكلمة ، وكلّ ما كان حيّا بشيء فتبقى حياته ببقاء ذلك الشيء ؛ ولمّا كان حياة المؤمن بالدين والشريعة كما قال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ يعنى بالدين الحقّ كانت حياته باقية ما دام الدين والشريعة ، وإنّما كان حياة الشهداء أفضل فإنّهم في قبول الدين وتسليم الشريعة أثبت قدما وأحكم اعتقادا وأحسن تسليما . فواحد تراه شخصا حيّا قويّا ذكيّا ونصّ الكتاب يقول : أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ إذ لم يسلم وجهه للّه ولم يكن محسنا في اللّه ، وواحد تراه مقتولا مطروحا ( 275 ب ) على وجه الأرض مثلة مثلة ونصّ الكتاب يقول : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني أنّهم أموات عند الخلق أحياء عند الربّ ، أموات عند الحسّ أحياء عند العقل ، أموات بسيوف الأموات أحياء بنفوس الأحياء ، أموات بالأجساد الجسمانية ؛ إذ فارقتها الحياة الحيوانية النباتية ، أحياء بالنفوس الروحانية ؛ إذ لازمتها الحياة الدينية الأمرية ؛ ومن كان بمعزل عن الدين والشريعة كان حكمه على العكس من ذلك .